ابن الجوزي

360

صفة الصفوة

شكر نعمتك ، وأسألك حسن عبادتك ، وأسألك قلبا سليما ، وأسألك لسانا صادقا ، وأسألك من خير ما تعلم ، وأعوذ بك من شرّ ما تعلم ، وأستغفرك لما تعلم ، إنك أنت علام الغيوب . وعن ثابت البناني قال : قال شداد بن أوس يوما لرجل من أصحابه هات السفرة نتعلل بها . قال : فقال رجل من أصحابه : ما سمعت منك مثل هذه الكلمة منذ صحبتك . فقال : ما أفلتت مني كلمة منذ فارقت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم إلا مخطومة أو مزعومة غير هذه ، وأيم اللّه لا تنفلت . وعن أسد بن وداعة ، عن شداد بن أوس أنه كان إذا دخل الفراش يتقلب على فراشه لا يأتيه النوم ، فيقول : اللهم إن النار أذهبت مني النوم . فيقوم فيصلي حتى يصبح . وعنه قال : كان شداد بن أوس إذا أوى إلى فراشه كأنه حبة على مقلى ، فيقول : اللهم إن النار قد أسهرتني ثم يقوم إلى الصلاة . وعن زياد بن ماهك قال : كان شداد بن أوس يقول : إنكم لن تروا من الخير إلا أسبابه ، ولن تروا من الشر إلا أسبابه ، الخير كله بحذافيره في الجنة ، والشر بحذافيره في النار ، وإن الدنيا عرض حاضر يأكل منها البرّ والفاجر ، والآخرة وعد صادق يحكم فيها ملك قاهر . ولكل بنون فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا . وقال أبو الدرداء : وإن من الناس من يؤتى علما ولا يؤتى حلما ، وإن أبا يعلي قد أوتي علما وحلما . وعن أبي الدرداء أنه كان يقول : إن لكل أمة فقيها ، وإن فقيه هذه الأمة شداد بن أوس . وعن محمود بن الربيع قال : قال شداد بن أوس لما حضرته الوفاة : إن أخوف ما أخاف على هذه الأمة الرّئاء والشهوة الخفية . قال ابن سعد : نزل شداد بن أوس فلسطين ، ومات بها سنة ثمان وخمسين ، وهو ابن خمس وسبعين سنة رضي اللّه عنه .